ابن كثير
102
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 80 إلى 81 ] وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه ، عن ابن عباس قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ثم أمر بالهجرة ، فأنزل اللّه وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً وقال الترمذي : حسن صحيح ، وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية : إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه ، فأراد اللّه قتال أهل مكة ، أمره أن يخرج إلى المدينة ، فهو الذي قال اللّه عز وجل : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ الآية « 2 » . وقال قتادة وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني المدينة وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني مكة « 3 » ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وهذا القول هو أشهر الأقوال . وقال العوفي عن ابن عباس أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني الموت وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني الحياة بعد الموت ، وقيل غير ذلك من الأقوال ، والأول أصح ، وهو اختيار ابن جرير . وقوله وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً قال الحسن البصري في تفسيرها : وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس وليجعلنه له ، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له . وقال قتادة فيها : إن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان ، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب اللّه ، ولحدود اللّه ، ولفرائض اللّه ، ولإقامة دين اللّه ، فإن السلطان رحمة من اللّه جعله بين أظهر عباده ، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم « 4 » ، قال مجاهد سُلْطاناً نَصِيراً حجة بينة ، واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة ، وهو الأرجح لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه ، ولهذا يقول تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ - إلى قوله - وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [ الحديد : 25 ] الآية . وفي الحديث « إن اللّه ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن » أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد ، وهذا هو الواقع . وقوله : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ الآية ، تهديد ووعيد لكفار قريش ، فإنه قد جاءهم من اللّه الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به ، وهو ما بعثه اللّه به من القرآن والإيمان والعلم النافع ، وزهق باطلهم أي اضمحل وهلك ، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [ الأنبياء : 18 ] . وقال البخاري : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، عن أبي معمر عن عبد اللّه بن مسعود قال : دخل
--> ( 1 ) المسند 1 / 223 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 8 / 135 . ( 3 ) تفسير الطبري 8 / 135 . ( 4 ) انظر تفسير الطبري 8 / 137 .